الشيخ محمد رشيد رضا
337
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِلَيْهِ إِنْ شاءَ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ) الخ وقد فسر ابن جرير الآية بقوله : واللّه الغالب عباده المذللهم العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم فهو فوقهم بقهره إياهم وهم دونه ، وهو الحكيم في علوه على عباده وقهره إياهم بقدرته وسائر تدبيره ، الخبير بمصالح الأشياء ومضارها ، الذي لا تخفى عليه عواقب الأمور وبواديها ، ولا يقع في تدبيره خلل ، ولا يدخل حكمته دخل . اه وذهبت المعتزلة والأشاعرة إلى أن قوله تعالى « فَوْقَ عِبادِهِ » تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقهر . صرح بذلك الزمخشري وتبعه بعض الأشاعرة ( كالبيضاوي ) بنقل عبارته بنصها ، وبعضهم ( كالرازي ) بنقلها وإطالة الدلائل النظرية باثبات مضمونها ، ومنع إرادة فوقية الذات واطلاق صفة العلو على اللّه ، إذ جعل ذلك قولا بتحيز الباري في جهة معينة وأطال في سرد الدلائل النظرية على استحالة ذلك ، ولفظ الآية لا يأبى ما فسره به الزمخشري وأمثاله ، لان له نظيرا ذكروه في تفسيرها وهو قوله تعالى حكاية عن فرعون ( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) وبديهي انه يعني فوقية المكانة المعنوية لا المكان ، ولو اكتفوا بهذا لكان حسنا لأنه في معنى ما نقل عن مفسري السلف كابن جرير ولكن منهم من شنع على السلف الصالحين وسماهم حشوية لعدم تأويلهم الآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة باثبات صفة العلو المطلق للّه تعالى ، فسلف الأمة يمرون هذه الآيات بغير تأويل ، ويقولون إن اللّه مستو على عرشه فوق السماوات وفوق العالم كله ، وانه بائن من خلقه ، وإنه مع ذلك ليس كمثله شيء ، فليس بمحدود ولا محصور ولا متحيز ، فهذه اللوازم التي يبني عليها الجهمية وتلاميذهم تأويل صفة العلو مبنية كلها على قياس الخالق على المخلوق والقديم على المحدث ؛ ومن المعلوم أن جميع ما أطلق على اللّه تعالى من الصفات حتى العلم والقدرة والإرادة فإنما وضع في أصل اللغة لصفات البشر وهي مباينة لصفات اللّه تعالى ، فلما ذا يخصون بعضها بالتأويل دون بعض ، فالحق الذي مضى على سلف الأمة ان اللّه تعالى يوصف بكل ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ( ص ) وان جميع تلك الصفات تطلق عليه مع تنزيهه عن مشابهة من تطلق عليهم ألفاظها من الخلق ، فعلم اللّه « تفسير القرآن الحكيم » ( 43 ) « الجزء السابع »